ابن أبي الحديد

175

شرح نهج البلاغة

فكتب إليه عمرو : أما بعد ، فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأما ما ظهر لي من مال ، فإنا قدمنا بلادا رخيصة الأسعار ، كثيرة الغزو ، فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها ، ووالله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك . وقد ائتمنتني ، فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك . وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير منى ، فإذا كان ذاك فوالله ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا ، ولا فتحت لك قفلا . فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شئ ، ولكنكم معشر الامراء ، قعدتم على عيون الأموال ، ولن تعدموا عذرا ، وإنما تأكلون النار ، وتتعجلون العار ، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ، فسلم إليه شطر مالك . فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاما ودعاه فلم يأكل ، وقال هذه تقدمة الشر ، ولو جئتني بطعام الضيف لأكلت ، فنح عنى طعامك ، وأحضر لي مالك ، فأحضره ، فأخذ شطره . فلما رأى عمرو كثرة ما أخذ منه ، قال : لعن الله زمانا صرت فيه عاملا لعمر ، والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية ( 1 ) لا تجاوز مأبض ( 2 ) ركبتيه ، وعلى عنقه حزمة حطب ، والعاص بن وائل في مزررات الديباج . فقال محمد : إيها عنك يا عمرو ! فعمر والله خير منك ، وأما أبوك وأبوه فإنهما في النار ، ولولا الاسلام لألفيت معتلفا شاة ، يسرك غزرها ، ويسوءك بكوءها ، ( 3 ) قال : صدقت فاكتم على ، قال أفعل . * * * قال الربيع بن زياد الحارثي : كنت ( 4 ) عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين

--> ( 1 ) قطوانية : منسوبة إلى قطوان ، موضع بالكوفة ، تنسب إليه الأكسية . ( 2 ) المأبض : باطن الركبة . ( 3 ) يقال : بكأت الناقة بكوءا ، إذا قل لبنها . ( 4 ) الخبر في الكامل 87 - 88 ( طبع أوروبا ) .